الروتين والكآبة ليستا قدرا مكتوبا تستطيع أن تختار بألّا تخضع حياتك لهما, فأنت تستطيع أن ترسم حياتك وتحولها إلى لوحة فنية ,ولكن مع الأسف كيف نكون سعداء ليس شيئا نتعلمه في المدرسة ,ويقع على عاتق كل منّا إيجاد طريقه للسعادة .. فما هو الروتين من منظور علم النفس؟ وكيف تعرف أنك من الروتينيين أو لست منهم؟

 كيف ينظر علم النفس للروتين

من وجهة نظر أولى  يمكننا تفسير ميلنا إلى التعود على نمط حياة واحد من الحياة وتكراره بشكل يومي وعدم رغبتنا بالتجديد  بعملية يمارسها الدماغ تندرج في علم النفس تحت مصطلح  " الشحُّ المعرفي"  ((congnitive miser  وهي عملية  يمارسها العقل البشري لتجنب صرف الطاقة  والبحث عن حل المشكلات و التفكير العميق , وتتمثل برغبة الدماغ بتأدية المهام الموكلة إليه بأقل مجهود عقلي .

و من وجهة نظر أخرى قد تكون مكملة لسابقتها أو ناتجة عنها,علماء النفس صنفوا الروتين كمرض خطير, وأنه يمثل الطريق المختصر لمرض نفسي أخطر منه وهو الأكتآب النفسي  ولم يدخروا أي جهد بدراسة الروتين  ودراسة تأثيره على مختلف نواحي حياة الأفراد ,حيث أجروا أبحاث وتجارب لتحديد تأثيره على حياة الفرد الشخصية والمهنية فوجدوا بأن الروتين اليومي المهيمن  يؤدي الى جمود في العلاقات الزوجية وظهور المشاكل بكثرة نتيجة التركمات اليومية الناتجة عن روتين حياة معين وغياب فكرة التجديد النفسي , وعلى الصعيد المهني فأن فقدان الحماسة وغياب الألهام من الأثار الخطيرة والتي تمنع الأفراد من الأبداع في عملهم.

السؤال الأهم هل الروتين خطير لدرجة ان اعتبره العلماء الداء الأكثر أنتشارا في هذا العصر ؟

الكثير من الأفراد الذين يعانون من هذا المرض دون أن يدركوا ذلك من خلال تعودهم على تنفيذ الأعمال ذاتها يوميا وتكرارها بصورة روتينية ,ولكن سرعان ما يبدأ الملل بالظهور في هذا السجن اليومي والذي صنعه الفرد بنفسه لنفسه, وهذا التعود هو الخطوة الأولى والأخطر لمرض الإكتآب النفسي.

يمكن معرفة الأشخاص الروتينيون من اعراض الروتين البادية في سلوكهم ومظهرهم ,وتتمثل  بالكآبة و الحزن ,فقدان المعالم والحواس,انخفاض كبير في درجة الحافز ,إيجاد صعوبة بالشعور بالسعادة على الرغم من وفرة الخيرات المادية ,خيبات أمل وشعور بالإرهاق والتعب...

هذا الداء الذي يبدو هيّنا في الوهلة الأولى ولكنه يستطيع إلحاق أضرار حقيقية بالناس , ويجدر بنا عند شعورنا  بأعراضه او عند ملاحظتها على أبناءنا والمقربين منا , البدء بالعلاج وفق منهج محدد للتخلص من تأثيره  السلبي على حياتنا, ولحسن الحظ هناك تقنيات تساعدنا على استعادة الحيوية اليومية واسترجاع ما سلبه هذا الداء من طاقتنا , وأولى هذه التقنيات :

 نظرية الخطوات الصغيرة ,حيث اننا نتقدم من خلال مجموعة خطوات صغيرة ومتعاقبة ,ونغير من نمط حياتنا اليومي بتغيرات بسيطة , وحين نتحدث عن التغيير يتخيل الناس تغيرا ضخما وجذريا,ولكن تغيرات الحياة الحاسمة تبدأ بتحولات صغيرة غير ضارة ظاهريا بغض النظر عن أثر الفراشة.

ويمكننا اعتماد مبدأ الإرساء الإيجابي ,حيث انك عندما تكون بلحظة سعادة غامرة اكتشف حالتك النفسية والجسدية والأحاسيس المتدفقة والبهجة البادية في تلك اللحظة ,وعندما تصل إلى هذه المرحلة من الصفاء والسعادة ,اقرن كلمة أوصورة أوحركة بتلك اللحظة حتى تستطيع استعادة هذه الحالة الشعورية عند حاجتك إليها ,وهذا المبدأ يساعدنا على البقاء إيجابيين بمعظم الأوقات وبالتالي لن تجد الكآبة الناتجة عن الروتين طريق إلى داخلنا.

وحاول ألّا تنسى ان يكون تعاطفك مع مآسي الأخرين جافا وليس رطبا ,و تكمن فكرة التعاطف الجاف بأن تبدي حزنك على مآسي الأخرين ولكن مع إبقاء مسافة أمنة بحيث لا تصيبك عدوى الأمزجة السلبية و تسوء حالتك تبعا لذلك.

 واياك والدخول بدوامة المثلث المأساوي الذي يعتبر أحد السيناريوهات الروتينية السلبية في التعامل مع الطرف الأخر,حيث يتناوب الطرفان على لعب أحد الأدوار الثلاثة (الضحية ,المضطهد, المنقذ) وغالبا ينتهي النقاش بشكل سلبي دون الحصول على نتيجة,ويفضل في هذه الحالة إتباع استراتيجية (و,ش,أ,ت) حيث نحدد "و" الوقائع التي تنتاقش بشأنها و "ش" شعورنا تجاه هذه الوقائع و محاولة إيجاد "أ,ت" أرضية تفاهم  للحصول على نتائج مرضية للطرفين.

 أما التقنية الاخيرة التي أثبت فعاليتها و برهنت نجاحها هي الحوار الداخلي الإيجابي ,حيث أن ترديدك لكلمات إيجابية في حوارك مع نفسك (أنا أستطيع ,أنا أستحق أن أكون سعيدا,سأحقق أهدافي) له دور كبير في تخفيف الكآبة و تزويدك بالطاقة اللازمة لتكمل مشوارك, ويفضل ان تهتم بتغير التفاصيل الصغيرة في كل يوم ,و ممارسة الرياضة أمر لا غنى عنه لتزودك بالنشاط و تذكر دائما أن تملىء وقت فراغك بما ينفعك مثل القراءة او ممارسة هواية تحبها , واذا كنت تملك اشخاص إيجابيين ومبدعيين في حياتك فلا تفرط بهم ,حيث أنهم بارعون بأفكارهم الخلّاقة بجعل حياتك بعيدة كليا عن الروتين.

التعليقات

اترك تعليقاً إلغاء الرد

شارك الموضوع

وسوم الموضوع