يموت الرجال منتحرين بنسبة أكثر من 3 أضعاف من النساء، كما أن كل الإحصائيات تشير إلى أن الرجل في المتوسط أقل سعادة من المرأة. فما هي الأسباب التي تقف وراء هذا الأمر؟ وهل الأسباب اجتماعية في الأساس أم أنها تعود للاختلافات البيولوجية بين الرجل والمرأة؟

يقول الطبيب النفسي ألبيرتو بيرتوسا بأنه من الممكن أن تقف الاختلافات البيولوجية الصغيرة بين الرجل والمرأة وراء هذا الأمر خاصة تركيب المخ الذي يجعل سلوكهما مختلفاً وبالتالي شعورهما بالسعادة. فقد تبين بأن لهما نفس القدرة على التعرف على مشاعر الآخرين ولكن الرجل أقدر على كبت المشاعر بطريقة أسهل من النساء.

بالإضافة لذلك، فالاختلافات في طريقة عمل الهرمونات هي الأخرى تؤثر على الدوائر العصبية ويكون لها تأثير في الشعور بالسعادة. فالهرمونات الجنسية على سبيل المثال تلعب دوراً فاعلاً في الطريقة التي يتكيف بها كل من الرجل والمرأة مع المشاعر.

فمثلاً، هرمون الإستراديول الذي يوجد عند المرأة ولا يوجد عند الرجل يستخدم في المخ عندما تشعر المرأة بالقلق وذلك لزيادة عدد نقاط الاشتباك العصبي. لهذا تنكمش تلك النقاط عند الرجل بسبب عدم وجود هذا الهرمون. لهذا نجد المرأة تتعامل مع القلق والتوتر عبر الاكتئاب والتفكير الزائد، بينما يعتبر التعامل مع الألم النفسي صعبا بالنسبة للرجل لهذا يلجئ للعنف والسلوك العدواني أو تعاطي المخدرات.

لو نظرنا للمعنى العميق للسعادة حسب بيرتوسا فإنه على الرغم من الحزن الذي يظهر على الرجل إلا أن هذا بالضرورة لا يعني بأن الرجال أقل سعادة من النساء، فرغم أن نسبة انتحار الرجال أعلى من النساء إلا أن هناك أسباب أخرى تقف وراء ذلك بعيداً عن عدم سعادتهم.

مايكل كريج، دكتور من كلية علم النفس والأعصاب في لندن يرى بأنه من الخطأ اعتبار طريقة عمل المخ سبباً في فارق السعادة بين الرجل والمرأة. فوفقاً لأبحاثه، فالرجل أكثر عرضة للإصابة بالتوحد والإدمان وباقي مشاكل النمو العصبي، بينما النساء أكثر عرضة للإصابة بالاضطرابات العاطفية كالاكتئاب والزهايمر. بينما من الجانب الاجتماعي، فالرجال يميلون للكتمان ويلجئون للإدمان والمخدرات مما يزيد الطين بلة بينما المرأة تلجئ للبوح أكثر من الرجل. لهذا ينبغي التوقف هنا عند الفروقات الاجتماعية بين الجنسية والتفكير في مدى تأثيرها على مستوى سعادتهما.

بينما الخبير النفسي لي بارنيس يقول بأن المسؤوليات والضغوط الملقاة على الرجل هي السبب في شعوره بالحزن، فعلى الرغم من أن كلا من الرجل والمرأة قد يشعران بنفس التعب والضغط النفسي إلا أن المرأة بطبيعتها تلجئ لشخص آخر حتى تلقي عليه الهموم بينما الرجل يقرر التعامل معها بكل رجولة. كما يقول بأن 40% من عملائه هم رجال ومعظمهم يشعر بالانعزال والوحدة لهذا يعتقد بأن كثيراً من الرجال يلجئون للانتحار بسبب العزلة الاجتماعية.

من بين كل 100 ألف رجل هناك 16.8 رجلاً يموت بسبب الانتحار بينما نسبة النساء لا تخطى 5.2 ولكن على الرغم من ذلك فإن الدكتور مايكل كريج يرى بأن النساء يحاولن الانحار أكثر من الرجال ب3 إلى 4 أضعاف. وقد يكون السبب وراء هذا الأمر هو محاولة كل منهما التخلص من الحياة فالرجال أكثر ميولا للعنف لهذا يستخدمون طرق عنيفة في الانتحار مثل القفز من عمارة عالية أو الوقوف أمام القطار بينما النساء يفضلن الانتحار عبر جرعات مفرطة من الأدوية أو غيرها من الوسائل الأقل حدة.

على الرغم من أن هذه الإحصائيات قد يكون مبالغا فيها بعض الشيء لكن هناك جزء من الحقيقة تبرزه هذه الأخيرة وهي أن هناك مسؤوليات اجتماعية وقواعد تجبر الرجال على كبت أو تجاهل أو كبح مشاعرهم المركبة بطريقة غير صحية تماماً.

لهذا، هل هناك أي سبب جوهري يقف وراء كون الرجال أقل سعادة من النساء؟

نعود للطبيب النفسي ألبيرتو بيرتوسا الذي يشير إلى أن العلم بدأ في الآونة الأخيرة يفهم التفاعل بين طبيعة الشخص البيولوجية وبيئته التي يعيش فيها وينشأ فيها، بما فيها العوامل الاجتماعية وطرق التنشئة والعديد من المؤثرات الخارجية. فكلها تختلف من شخص لآخر وهي معقدة، وهي التي تحدد طريقة تفاعل كل من الرجل والمرأة مع الاكتئاب والمشاعر والتكيف معها، ولكن تبقى العوامل الفردية الأهم في هذا الأمر، فحسب بيرتوسا هي التي تؤثر على مدى سعادتهم بغض النظر عن الجنس.

التعليقات

اترك تعليقاً إلغاء الرد

شارك الموضوع