معرفة أهمِّ الأحداث التّاريخيّة لا يقتصر على المؤرَّخين وعلماء التّاريخ، بل هو ثقافةٌ عامَّة يجب على كلِّ فردٍ الحصول عليها.
هنا سنعرِّف العرب على أصولهم وأهم الأحداث الَّتي وقعت في الجزيرة العربيَّة قبل نزول دين الإسلام الحنيف:

 

  • أصل العرب (تقريبًا 2300 ق.م.)

نقل إبراهيم عليه السَّلام زوجتَه هاجر وابنه الرَّضيع إسماعيل من أرض فلسطين إلى وادٍ قاحل يسمّى مكَّة أو بكّة. وبعد معجزة بئر زمزم، استقرَّت قبيلة "جرهم" العربيَّة الَّتي هاجرت من اليمن بسبب سقوط سدِّ مأرب الَّذي كان به مشربهم وزرعهم، بعد سقوطه انتشر الجفاف والجوع. كبر إسماعيل بينهم وتزوَّج منهم فيعتبر إسماعيل أب العرب فهو أوَّل من تعلَّم العربيَّة. بعد بناء الكعبة سعى إبراهيم لدعوةِ كلِّ من يقابله إلى التَّوحيد والحج حتّى انتشر دينه بين القبائل العربيَّة، وأصبحوا يحجُّون إلى الكعبة الشَّريفة ويعظِّمونها ويسجدون لها. وبسبب تلاقي العرب هناك كلَّ عام؛ صارت مكَّة مركزًا تجاريًّا مهمًّا.

 

  •  نزاع حكم مكَّة (تقريبًا 270م)

كان بنو جرهم سادة مكَّة لـٰكنَّهم مع الزَّمن استحّلوا أكل المال المقدَّم للكعبة وانتشرت بينهم الفاحشة رغم أنَّهم لا يزالون على دين أبيهم إبراهيم. وبسبب فسادهم وشدَّة أهمّيّة مكَّة دينيًّا وتجاريًّا قرَّرت قبيلة "خزاعة" اقتلاع حكم مكّة من قبيلة "جرهم". فحدث قتال عظيم بين القبيلتين هزمت فيه قبيلة جرهم، لذا هاجر أغلب جرهم ولم يبقَ سوى القليل منهم في مكَّة. وبسبب غيظ قبيلة جرهم طمروا بئر زمزم حتّى لا يستفيد منها بنو خزاعة. لذا رغم المشقّة أصبح بنو خزاعة يحضرون الماء من الخارج للشُّرب وسقيا الحجَّاج.

 

  • دخول الوثنيَّة (بين 300م-400م تقريبًا)

بعد تناوب الأمراء والحكّام من بني خزاعة وصل الحكم لمن يسمّى "عمرو بن لُحَي" لشدَّة ثرائه، فصار الحاكم الآمر النّاهي الَّذي لا يردُّ له طلب. وفي إحدى المرّات قرَّر السَّفر إلى الشّام -يقال بسبب مرضٍ أصيب به- وهناك رأى قبيلة تدعى "العماليق" يسجدون ويتقرَّبون للأصنام. فلمّا سألهم عن أفعالهم قالوا: "هـٰؤلاء يعينوننا إذا جُعنا، ينصروننا إذا ظُلِمنا، ويسقوننا الماء ويقرِّبوننا إلى الله زلفى." تعجَّب منهم لـٰكنَّه استساغ الأمر فقال لهم "أعطوني أحدهم لعلَّه يعيننا فنحن نحتاج الماء في مكَّة." فوافقوا على إعطائه صنمًا يدعى "هُبل" أخذ معه فكان أوَّل صنمٍ في مكّة.

بسبب مكانته العظيمة، حين أمر عمرو بن لحَي النّاس بعبادة هُبل لم يعترض أحد وأطاعته قبائل مكّة. ثم أمر كلَّ قبيلة باتِّخاذ صنمٍ يعبدونه عند الكعبة. فكان من أصنامهم "وُد" لبني كَلب، "سواع" لبني هذيل، "يغوث" لبني طيء وأهل جرش، "يعوق" لبني هَملان، "نسر" لأهل اليمن و"هُبل" لقريش.

 وحين تأتيهم قبائل من الخارج يخبرهم أن الأصنام يجب أن تكون من حجارة مكَّة، فيأخذون من عندهم، ووضع تشريعات مثل الأنعام المقدَّسة الَّتي لا تذبح، وغيَّر التَّلبية الَّتي نشرها إبراهيم عليه السَّلام بين العرب:"لبَّيك اللهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمد والنِّعمة لك والملك، لا شريك لك" غيَّر نهايتها إلى "لا شريك لك إلّا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك" وهـٰكذا انتشر الشِّرك والوثنيَّة بين العرب. 

وقال الرَّسول ص في حديثٍ صحيح: "رأيتُ عمروَ بن عامرٍ الخُزَاعيَّ يَجُرُّ قُصْبَه في النَّار" أي يجرُّ أمعاءه في جهنَّم، فقد كان أوَّل من بدَّل دين العرب.

 

  • دخول اليهوديَّة الحنيفة لليمن (بعد 400م تقريبًا)

كان من أعظم ملوك اليمن "أبو كرب أسعد" وفي إحدى المرّات ذهب مسافرًا مع ابنه للتِّجارة. ذهب هو إلى الشَّام وابنه في يثرب الَّذي يسكنها الأوس والخزرج وبعض اليهود الَّذين قدموا من الشّام. ثمَّ شبَّ خلاف بين ابنه وأهل يثرب فقتلوه. حين وصله الخبر رجع حتّى يقاتلهم لأخذ الثَّأر، واستمر في قتالهم رغم أنَّهم لشدَّة كرمهم يضيِّفونه ويطعمونه وجيشه مساءً ويقاتلونه نهارًا. إلى أن أتاه من أحبار اليهود -علماؤهم- من يقنعونه بإيقاف القتال قائلين أنَّه لن يقدر على تخريب يثرب فهي "مهجر نَبي". تعجَّب من قولهم فسألهم من أين يعلمون ذٰلك فحدَّثوه عن التَّوراة والنَّبي أحمد، إلى أن آمن ملك اليمن أسعد وتصالح مع أهل يثرب، ويعتبَر مؤمنًا صالحًا لاتِّباعه اليهوديّة الحنيفة. وحين كان في طريق العودة لليمن أدركته قبيل "هذيل" الَّتي كانت تريد أن توقع بين اليمن ومكّة، فسألوه: "هل لك إلى الجواهر والذَّهب والكنوز؟" فطمع تبَّع وقال: "نعم" فأخبروه عن الكعبة الَّتي من شدَّة تعظيم العرب لها دفنوا كنوزًا تحتها. بعدها جهَّز جيشه ليستعدوا للهجوم على أهل مكَّة، لـٰكن أحبار اليهود -الَّذين رافقوه لتعليم اليمن اليهوديَّة- قالوا له: "والله ما أراد الهذليُّون سوى هلاكك فما علمنا بيتًا لله إلّا هـٰذا البيت، ولو أردت هدم بيت الله فسيكون في ذٰلك هلاكك" وأعلموه بأنَّه بيتٌ يجب تعظيمه فطاف به. وحين رجع الملك تبَّع مع علماء اليهود نشر اليهوديَّة فعادوا للحنيفة وتركوا الوثنيَّة.

 

  • دخول النَّصرانيَّة "أصحاب الأخدود" (520م تقريبًا)

كان أهل نجران على الوثنيَّة وكانوا يرسلون غلمانهم ليتعلَّموا السِّحر عند رجلٍّ نصراني يتَّبع إنجيل عيسى عليه السَّلام. فبعث الثّامر ابنه عبدالله إليه ليتعلَّم منه، وكان عبدالله كلَّما مرَّ عليه في خيمته يرى منه عبادته وصلاته. فجلس عنده يسأله عنها حتّى تنصّر وصار موحِّدًا، وحين سأله عن اسم الله الأعظم لم يجبه. فلمّا تيقَّن عبدالله أنَّه لن يخبره بالاسم استخدم السِّهام، أخذ يكتب كلَّ اسم يعرفه لله، وأشعل في سهامه نارًا، وأصابت السِّهام المشتعله كلَّ الأسماء فأحرقتها إلَّا واحدًا، فعرف اسم الله الأعظم. بعد ذٰلك أصبح عبدالله بن ثامر لا يلقَ أحدًا به مرض أو بلاء إلّا قال له: "أتوحِّد الله وتدخل ديني وأدعو الله باسمه الأعظم ليزيل عنك البلاء؟" فلم يبقَ أحدٌ في نجران إلا اتَّبع دينه وآمن بالله حتّى وصل خبره لملك نجران "ذو نوّاس". الملك عليهم لتركهم الوثنيَّة واليهوديّة فأمر بحفر خندقٍ عظيم لإحراق المؤمنين.

 

  • حكم الحبشة لبلاد اليمن (بعد 520م تقريبًا)

هرب رجل يقال له "دَوس" من ذي نوّاس وجنوده وطلب النُّصرة من قيصر ملك الرُّوم، فأمره ملك الرُّوم بطلب النُّصرة من الحبشة فهم أقرب مكانًا وعلى دين النَّصرانيَّة مثله، ثم أعطاه رسالة لينصره الحبشة. وفعلًا نصره ملك الحبشة وأرسل معه سبعين ألف جندي يرأسهم "أرياط" حتّى يقاتلوا ذو نوّاس. فلمَّا رأى ذو نوّاس ذٰلك ركب فرسه ومشى الفرس إلى السّاحل حتى أدخله في ماء عميق فمات غرقًا. وهـٰكذا انتقل حكم اليمن من ذي نوّاس إلى أرياط.

  • انتقال حكم اليمن لأبرهة الحبشي (بعد 547م تقريبًا)

بعد سنين من حكم أرياط لليمن، طمع أبرهة في السُّلطة، فدعا أرياط إلى قتال رجلٍ لرجل حتّى لا يسفكوا دماء الحبشة، فوافق أرياط. في القتال أصاب أرياط رأس أبرهة بحربة فشرَم وجهه فسمّي "أبرهة الأشرم". ثمّ قتل أرياط،، فانتقل جميع الجند لتحت أمر أبرهة. ولمّا سمع ملك الحبشة بذٰلك غضب بشدّة وأقسم ألّا يترك أبرهة حتّى يطأ أرض اليمن ويحلق أبرهة رأسه. فحلق أبرهة وأرسل للنَّجاشي كيسًا فيه تراب اليمن ليؤَدّي قسمه. فسمح له النَّجاشي بحكم اليمن.

 

  • عام الفيل (571م)

بنى أبرهة في اليمن كنيسة القليس، حتّى يحجَّ إليها العرب، لـٰكن جميع القبائل تغاضت عنها، فسخط كثيرًا وقرَّر هدم الكعبة الشَّريفة. لمّا سمعت العرب بذٰلك فظعوا بالخبر فقرَّر رجال قتاله حتّى لا يهدم الكعبة لـٰكنّهم انهزموا وأخذ منهم أبرهة أسرى ومنهم رجلٌ يدعى "ذو نفر"، ولمّا أراد قتله قال له: لا تقتلني فقد يكون بقائي خيرًا لك؛ فلم يقتله. وقبل أن يهجم على الكعبة أخذ أموال مكَّة ومنها بعير عبد المطَّلب. وكان قبل ذٰلك انتقل حكم مكَّة من خزاعة لقريش لكونهم من صريح ولد إسماعيل حتّى وصلت السّيادة إلى عبد المطّلب. فلمّا جاءه عبد المطلب يستأذنه ليرجع له إبله قائلًا: "أنا ربُّ الإبل وللبيت ربٌّ يحميه"، تعجَّب منه أبرهة وأحس منه هيبة لـٰكنَّه رفض طلبه. بعدها وقفت قريش على الجبال تنظر مالَّذي سيحصل لجيش أبرهة الأشرم، ثم همس الأسير "ذو نفر" في أذن الفيل الَّذي يسمّى محمودًا: "اربك محمود وارجع، فإنك في بلد الله الحرام"؛ فقعد الفيل. ثمَّ ظهرت طيور تحمل حجارة في رجلها وبين مناقيرها.

المصادر: صحيح البخاري السّيرة النَّبويَّة لابن هشام ص14-40، السّيرة النَّبويَّة لطارق السُّويدان 01.

التعليقات

اترك تعليقاً إلغاء الرد

شارك الموضوع